صديق الحسيني القنوجي البخاري
615
فتح البيان في مقاصد القرآن
للبعير عقلا حتى سجد للنبي صلى اللّه عليه وسلم وكذلك الشجرة حتى سمعت لأمره وانقادت . وقولهم : شهدنا إقرار له بالربوبية وكلام مستأنف وقيل شهدنا على أنفسنا بهذا الاقرار وليس في الآية ما يدل على بطلان ما ورد في الأحاديث ، وقد ورد الحديث بثبوت ذلك وصحته فوجب المصير إليه والاخذ به جميعا بينهما ، وحكى الواحدي عن صاحب النظم أنه قال ليس بين قوله صلى اللّه عليه وسلم إن اللّه مسح ظهر آدم فأخرج منه ذريته وبين الآية اختلاف بحمد اللّه تعالى لأنه تعالى إذا أخرجهم من ظهر آدم فقد أخرجهم من ظهور ذريته ، لأن ذرية آدم كذرية بعضهم من بعض . فإن قيل إذا سبق لنا عهد وميثاق مثل هذا فلأي شيء لا نذكره اليوم ، والجواب على ما ذكره سليمان الجمل إننا لم نتذكر هذا العهد لأن تلك البنية قد انقضت وتغيرت أحوالها بمرور الدهور عليها في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات وتطور الأطوار الواردة عليها من العلقة والمضغة واللحم والعظم ، وهذا كله مما يوجب النسيان . وكان علي بن أبي طالب يقول : إني لأذكر العهد الذي عهد إليّ ربي ، وكذا كان سهل بن عبد اللّه التستري يقول اه . قلت : وكذا روي عن الشيخ نظام الدين الدهلوي المعروف بسلطان الأولياء ثم ابتدأهم بالخطاب على ألسنة الرسل وأصحاب الشرائع فقام ذلك مقام الذكر ، ولو لم ينسوه لانتفت المحنة والتكليف ، ولم يبلغنا في كون تلك الذرات مصورة بصورة الإنسان دليل ، والأقرب للعقول عدم الاحتياج إلى كونها بصورة الإنسان إذ السمع والنطق لا يفتقران إلى الصورة بل يقتضيان محلا حيا لا غير ، ويحتمل أن يكونوا مصورين بصورة الإنسان لقوله تعالى : مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ولم يقل ذراتهم ولفظ الذرية يقع على المصورين . والحكمة في أخذ الميثاق منهم إقامة الحجة على من لم يوف بذلك العهد ، والظاهر أنه لما ردهم إلى ظهره قبض أرواحهم ، وأما أن الأرواح أين رجعت بعد رد الذرات إلى ظهره فهذه مسألة غامضة لا يتطرق إليها النظر العقلي بأكثر من أن يقال رجعت لما كانت عليه قبل حلولها في الذرات . وورد أن كتاب العهد والميثاق مودع في باطن الحجر الأسود ، ذكره الشعراني في رسالته [ القواعد الكشفية في الصفات الإلهية ] وذكر فيه على هذه الآية اثني عشر سؤالا وأجاب عنها ، والحق عندي إن كل ما لم يرد فيه نص من كتاب ولا سنة فإطواؤه على غرة أولى وترك الخوض فيه أحرى . أَنْ تَقُولُوا أي كراهة أن أو لئلا تقولوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا أي عن كون اللّه ربنا وحده لا شريك له غافِلِينَ .